لنتقاسم ماعندما مهما كانت ظروف حياتنا
photo_amir_et_sa_famille_liban.preview.jpg

السيد أمير، عراقي الأصل، لجأ إلى لبنان في سنة ألفين و خمسة مع زوجته وبناته الثلاث.  وها هو عشية هجرته النهائية إلى كندا، وخلال عشاء وداعي أقامه على شرفه أحد اصدقائه في بيتنا وهو مركز أنشطة يسهر على رعايته سكان حي النبعة لحي حيث عاشوا في بيروت.  شارك الحاضرين جزءاً من حياته.
ماتت أمي في الثاني و العشرين تشرين الأول / أكتوبرعام ألفين و أربعة عشر. في ذلك الوقت، كنت أقيم في أربيل فيما أهلي كانوا لاجئين في دهوك، على بعد ثلاث ساعات تقريباً بالسيارة. عندما علمت بخبر وفاتها طلبت أن ينتظروني فلا يدفنوها قبل وصولي. في الطريق إليها، بكيت دون توقف. كنت حزيناً جداً، لقد خسرت أمي! كل شيء كان يثقل صدري، موتها، وضعي كلاجىءٍ ما منعني أن أودعها قبل أن ترحل...
على طريق العودة من المقبرة، كنت ما زلت أبكي حينما بادرتني إحدى قريباتي مشيرة إلي بيدها صوب مجموعة من الأطفال كانوا هناك  بالقرب منا : إنهم أطفال يزيديون وكلهم أيتام. وهي، فتاة يزيدية في الخامسة عشر من عمرها قد جمعتهم هنا. لقد فقدت أمها، وأبيها، وأخوانها، وأخواتها، كلهم ذبحوا على يد داعش... لقد أتت واستقرت في هذا المبنى الهيكلي غيرالمكتمل  واستقبلت فيه حوالي خمسة عشرة ولداً، كلهم أصغر منها سناً، وكان بينهم أطفال رضع. لقد علمتهم أن يصارعوا من أجل البقاء، وما زالت. فكان الأكبر سناً يبحثون عن الغذاء كي يطعموا الأصغر سناً، وعن الحطب من أجل إضرام النار. وهي كانت تحِم الصغار، وتعطي الحليب للرضع...
جورجيا : لقد رأيتها بالفعل في شريط وثائقي على يوتيوب
السيد أمير:  " أما أنا فقد رأيتها بأم عيني. في ذلك اليوم، كانت تحمل طفلاً رضيعاً فيما كانت تغسل الصحون في العراء حيث البرد قارس. هكذا هو الشمال في بلادنا، ندعوه روسيا العراق. وقد علمت  فيما بعد أن هذه الفتاة ما زالت ترعى هؤلاء الأطفال وتعتني بهم في إحد مخيمات  اللاجئين  في العراق  حيث باتوا يقيمون في خيمة.
أترى، أنت تبكي  نفسك  ،  قالت لي قريبتي...
وصلت بيروت في شباط / فبراير ألفين وخامس عشر، في منتصف الليل وفي ظروف صعبة للغاية، فصديقي الذي كان يفترض به أن يستقبلني لم يأت ! تلك كانت مشكلة كبيرة بالنسبة لنا، ولم يكن لنا سوى اللجوء إلى  سائق الأجرة ا لذي   قادنا  إلى أحد الفنادق.
وفي اليوم التالي، استأجرنا شقة صغيرة في النبعة، ما أفرغ جيوبنا من المال تماماً...!  وصلنا تلك الشقة في حوالي التاسعة مساءاً، وكان علينا أن نفترش الأرض في عزّ شباط. كان ذلك مستحيلاً، فلا بد يمرض جميعنا ! نزلت إلى الشارع أبحث عن بعض الورق المقوى الكرتون استخدمه كفراش لنا. هكذا، نمنا تلك الليلة،  أولادنا في الوسط، فيما أنا وزوجتي كلٌ من الجهة  المقابلة. أما الغطاء فكان هديةً  من أختي أصرت علينا   أن نحمله معنا قبل رحيلنا من العراق ! ولكن هل استطعت النوم حقاً، كان جسدي نصفه باردٌ ونصفه الاخر دافىء ! وقد تذكرت حينها تلك الأغنية العراقية التي تقول :  أشعر بالبرد من جهة، وبالدفء من جهة أخرى...
في صباح اليوم التالي، طرق أحدهم بابنا. فإذا بها جارتنا في الشقة المجاورة، وقد بادرتنا تقول معتذرة بانها لم تشأ إزعاجنا ليلة الأمس علّنا كنا متعبين. وجالت بنظرها في شقتنا لتستنتج ما تستنتج... وما انقضت  نصف ساعة  حتى  أتتنا تحمل صينية كبيرة حوت ما لذ وطاب من فطور الصباح،  وإلى جانبها  كان إبريق  الشاي " لأنكم في العراق، تحبون الشاي ! أردفت تقول.
وجارتنا هذه، كانت أتت لبنان هي أيضاً مع عائلتها منذ زمن غير قليل ، من دير الزور في سوريا.
أعارتنا فرشاً، وطلبت إلينا أن نعيدها في ما بعد عندما تستقر بنا الحال. لكن  قصتنا   معها لم تنته هنا. فقد طلبت إلى زوجها أن يدعوني إلى مجلسه مساءً متى  استقبل أخوته وأصدقاءه للعب الورق، والتمتّع بشرب الشاي اللذيذ. وفي المقابل، كانت النساء تأتي إلى دارة زوجتي لقضاء السهرة.
وبدورها تضيف زوجتي أنغام : أجل، هذه الجارة سوف أقوم بوداعها قبل أن أرحل.
في بداياتي في النبعة، تأثرت أيضاً وبشدة بجارة لي عجوز كانت تسكن في نفس المبنى، ولا تملك تماما قدراتها العقلية. فكانت تأتينا عند  كل صباح كي تسأل عن أحوالنا، وعن أسمنا في كل مرة الذي سرعنما تنساه. وفي المساء، كانت تجيئنا فنصلي معها الوردية، ولا تغفل عن ذلك أبداً ما كان يشعرنا بالصفاء. لم نشعر بالانزعاج منها يوماً على الرغم من الرائحة الكريهة التي تفوح منها. أما هي، فكانت في بعض الأحيان تقدم لنا  أجود ما تيسّر لها من فاكهة وخضار التي كانت تلمها حينما تهم الدكاكين بإغلاق أبوابها مساءً. لقد عرفت كيف تطبعنا بالفعل، فيما لم يستطع غيرها.
ويسأله سيّد، وهو صديق له في بيتنا : أخبرنا قليلا ً عن  مشاعرك  كيف كانت  لدى أول زيارة قمنا بها إليك ؟
يجيب أمير: تلك الزيارة كانت عقب وصولي بأسبوعين إلى لبنان، وكنت وقتها  ألازم البيت دائماً. إلا أني يومها ذهبت للإكتتاب في إحدى الكنائس بناء على اقتراح أحدهم. عند عودتي، أخبرتني زوجتي أنغام بأن ثلاثة أشخاص غرباء أتوا لزيارتنا ووعدوا بالعودة ثانيةً . من هم هؤلاء الناس، تسألت في نفسي؟ وتذكرت زوجتي أنغام بأن أحدهم يسكن في المبنى المقابل لنا ويدعى جورج.
السيد جورج : عندما وصلنا بيتكم، كنت تجسلين أرضاً على بساط ، مع بناتك الثلاث.
أنغام :  نعم، كنت اتسأل في نفسي ما إذا كانت تلك حقيقة  أم لا ؟ فهل يُعقل أن يهتم  لأمرنا  أشخاص  لا نعرفهم ؟ لقد كنتم ثلاثة : العم جورج، وسيّد، وجسي.
سيّد : لقد خفت منا في ذلك الوقت !
أنغام : أجل  خفت ، فقد نبهونا إلى عدم استقبال الغرباء الذين قد يطرقون الأبواب ...
السيد أمير : زوجتي تخاف دائماً عندما تكون لوحدها في البيت مع الأولاد ! أما الزيارة الثانية التي جاءنا فيها أشخاصٌ من بيتنا ، فقد كانت في منزلنا الثاني، الذي لم يكن قريباً جداً من الأول. لقد راح " بيتنا  " يبحث عنا مرةً أخرى. هذا هو بيتنا، لا يتخلى عن أي شخص
أنغام : دخلتُ بيتنا في آواخر شباط. هناك، التقيت جورجيت، وعبير، وغيرهن كثيرات... استقبلتني بحفاوة كيبرة، ومذ ذاك أنتميت إليه، إلى " بيتنا ". ساندرا أيضاً زارتنا مع الأخت تريز، وأهدتنا الموز. أما العم جورج فقد أهدانا شيئاً من  الأرز لدى زيارته الأولى لنا.
السيد أمير: عندما اقترحتم عليّ الانضمام إلى بيتنا، لم أتردد... " بيتنا " ليس لي، وليس لك، إنه للجميع وسوف أبقى معكم في كل وقت. سأطّلع دوماً على أخباركم، وأنتم كذلك.  عندما أصبح في كندا، أحب أن التقي فلورا التي تنتمي أيضاً إلى بيتنا. لقد أتصلت بها، هي تسكن على بعد ساعة بالسيارة عن فانكوفر. هكذا سأشعر أني دائماً بينكم.
وعندما حانة ساعة الوداع، صفق الجميع، وبكى السيد أمير عندما قبل أصدقاءه ، جورج، وسيّد، والآخرين. أما نحن فقد امتلأنا امتناناً لِما اكتشفنا ما حفظه السيد أمير في أعماق قلبه.

السيد أمير من لبنان.